فخر الدين الرازي

50

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عظيم في الجبل ، وكان ذلك الجبل يقال له ثور ، في يمين مكة على مسيرة ساعة ، مكث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فيه مع أبي بكر ثلاثا . وقوله : إِذْ يَقُولُ : بدل ثان . المسألة الثالثة : ذكروا أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فنزل وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنفال : 30 ] فأمره اللّه تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، والمراد من قوله : أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج . وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، وأمر عليا أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه ، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ما أمر اللّه به ، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولا ، يلتمس ما في الغار ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، مالك ؟ فقال : بأبي أنت وأمي ، الغيران مأوى السباع والهوام ، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك ، وكان في الغار جحر ، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول ، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا ، بكى أبو بكر خوفا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال عليه السلام : « لا تحزن إن اللّه معنا » فقال أبو بكر : إن اللّه لمعنا ، فقال الرسول : « نعم » فجعل يمسح الدموع عن خده . ويروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى ، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده . و قيل : لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وقال : إن تصب اليوم ذهب دين اللّه . فقال رسول اللّه : « ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما » و قيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار ، وبعث اللّه حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « اللهم أعم أبصارهم » فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا . المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي اللّه عنه من وجوه : الأول : أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله ، فلو لا أنه عليه السلام كان قاطعا على باطن أبي بكر ، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين ، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع ، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره ، لخافه من أن يدل أعداءه عليه ، وأيضا لخافه من أن يقدم على قتله فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة ، دل على أنه عليه السلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ظاهره . الثاني : وهو أن الهجرة كانت بإذن اللّه تعالى ، وكان في خدمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم جماعة من المخلصين ، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول اللّه أقرب / من أبي بكر ، فلولا أن اللّه تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة ، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة ، وتخصيص اللّه إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين . الثالث : أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، أما هو فما سبق رسول اللّه كغيره ، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد ، وذلك يوجب الفضل العظيم . الرابع : أنه تعالى سماه ثانِيَ اثْنَيْنِ فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار ، والعلماء أثبتوا أنه رضي اللّه عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية ، فإنه صلى اللّه عليه وسلّم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر ، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، والكل آمنوا على يديه ، ثم إنه جاء بهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بعد أيام قلائل ، فكان هو رضي اللّه عنه ثانِيَ اثْنَيْنِ في الدعوة إلى اللّه وأيضا كلما وقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في غزوة ، كان أبو بكر رضي اللّه عنه يقف في خدمته ولا يفارقه ، فكان ثاني اثنين في مجلسه ، ولما مرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قام مقامه في إمامة